محمد متولي الشعراوي
1188
تفسير الشعراوي
آخر ، بدون قيود عليك ، تلك القيود التي نشأت من السلطات الزمنية التي تحتجز الأماكن لأنفسها ، فهذا ما يفسد الكون . فهناك بيئات تشتكي قلة القوت ، وبيئات تشتكي قلة الأيدي العاملة لأرض خراب وهي تصلح أن تزرع ، فلو أن الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لما حدث عجز . ونلاحظ ما يقال : ازدحام السكان أو الانفجار السكانى ، بينما توجد أماكن تتطلب خلقا ! ويوجد خلق تتطلب أماكن ، فلماذا هذا الاختلال ؟ هذا الاختلال ناشىء من أن السلوك البشرى غير منطقي في هذا الكون . والكون الذي نعيش فيه ، فيه ارتقاءات عقلية شتّى ، وطموحات ابتكارية صعدت إلى الكواكب ، وتغزو الفضاء ، ووجدت في كل بيت آلات الترفيه ، أما كان المنطق يقتضى أن يعيش العالم سعيدا مستريحا ؟ كان المنطق يقتضى أن يعيش العالم مستريحا هادئا ؛ لأنه في كل يوم يبتكر أشياء تعطى له أكبر الثمرة بأقل مجهود في أقل زمن ، فماذا نريد بعد هذا ؟ ولكن هل العالم الذي نعيش فيه منطقي مع هذا الواقع ؟ لا ، بل نحن نجد أغنى بلاد العالم وأحسنها وفرة اقتصادية هي التي يعاني الناس فيها القلق ، وهي التي تمتلئ بالاضطراب ، وهي التي ينتشر فيها الشذوذ ، وهي التي تشكو من ارتفاع نسبة الجنون بين سكانها . إذن فالعالم ليس منطقيا . وهذا التخبط يؤكد ما يقوله الحق : « إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » إنها حركة هستيرية في الكون تدل على أنه كون غير مستريح ، كون غير منسجم مع طموحاته وابتكاراته . أما كان على هذا الكون بعقلائه أن يبحثوا عن السبب في هذا ، وأن يعرفوا لماذا نشقى كل هذا الشقاء وعندنا هذه الطموحات الابتكارية ؟ كان يجب أن يبحثوا ، فالمصيبة عامة ، لا تعم الدول المتخلفة أو النامية فقط ، بل هي أيضا في الدول المتقدمة ، كان يجب أن يعقد المفكرون المؤتمرات ليبحثوا هذه المسألة ، فإذا ما كانت المسألة عامة تضم كل البلاد متقدمها ومتأخرها وجب أن نبحث عن سبب مشترك ، ولا نبحث عن سبب قد يوجد عند قوم ولا يوجد عند قوم آخرين ؛ لأننا لو بحثنا لقلنا : يوجد في هذه البيئة . وكذلك هو موجود في كل البيئات ، فلا بد أن يوجد